الشيخ محمد هادي معرفة

274

التفسير الأثرى الجامع

ولا صغيرة ، متوسطة السنّ فيذبحوها ويخلّصوا أنفسهم من مآزق التكليف الشاقّ لو تمادوا في الغيّ واللجاج . ولكن أنّى يفيد النصح لقوم لجوج ، فراحوا يسألون : ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها ؟ . وهنا يتضايق عليهم التكليف - كلّما شدّدوا شدّد اللّه عليهم - : قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ وهكذا ضيّقوا على أنفسهم دائرة الاختيار - وكانوا من الأمر في سعة - فأصبحوا مكلّفين أن يبحثوا ، لا عن أيّة بقرة كانت بل عن بقرة متوسطة السنّ صفراء لمعاء صافية زاهية تسرّ الناظرين . فلو كانوا وقفوا عند ذلك ولم يصرّوا على تعنّتهم الجاهل ، لأراحوا أنفسهم من تشديد لاحق آكد ولكن أنّى وطبيعة بني إسرائيل المتلكّئة ، تعود لتثير سخط الربّ عليهم أكثر : قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ؟ سؤال عن الواقع المطلوب ، ويعتذرون عن هذا السؤال وعن ذلك التلكّؤ بأنّ الأمر أصبح مشتبها لديهم إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وكأنّما استشعروا لجاجتهم هذه المرّة وقالوا : وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ . قال موسى : إنّه تعالى يقول : إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها . فمضافا إلى الصفات السابقة تكون بحيث لم تدرّب بعد على الحرث أو السقي ، وأن تكون كذلك خالصة اللون لا تشوبها شية ( قطع تخالف معظم لونها ) . . وهنا عرفوا أنّ الأمر جدّ لا محيص لهم عنه . ومن ثمّ قالوا : الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ وكأنّهم لم يستيقنوا ذلك من قبل ! ! فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ! ! فرضخوا للأمر بعد أن واجهوا الصلابة والقاطعيّة الحاسمة . * * * وعندئذ وبعد تنفيذ الأمر ، كشف اللّه لهم عن الغاية التي كانت خافية عليهم لذلك الوقت . وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ . فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . هذا هو الجانب الثاني للقصّة ، وإن شئت قلت : الغاية من عرضها والسياق يتغيّر من الحكاية إلى